الغزالي
121
إحياء علوم الدين
ثم نظر سليمان إلى الناس ، فقال ما أكثر الناس ! فقال عمر : خصماؤك يا أمير المؤمنين . فقال له سليمان : ابتلاك الله بهم وحكى أن سليمان بن عبد الملك قدم المدينة وهو يريد مكة ، فأرسل إلى أبي حازم فدعاه فلما دخل عليه قال له سليمان : يا أبا حازم ، ما لنا نكره الموت ؟ فقال : لأنكم خربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم ، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب . فقال : يا أبا حازم ، كيف القدوم على الله ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله . وأما المسئ فكالآبق يقدم على مولاه . فبكى سليمان وقال : ليت شعري مالي عند الله ؟ قال أبو حازم اعرض نفسك على كتاب الله تعالى حيث قال * ( إِنَّ الأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ) * « 1 » قال سليمان : فأين رحمة الله ؟ قال * ( قَرِيبٌ من الْمُحْسِنِينَ ) * . ثم قال سليمان : يا أبا حازم أي عباد الله أكرم ؟ قال أهل البر والتقوى . قال فأي الأعمال أفضل ؟ قال أداء الفرائض مع اجتناب المحارم . قال : فأي الكلام أسمع ؟ قال : قول الحق عند من تخاف وترجو . قال فأي المؤمنين أكيس ؟ قال : رجل عمل بطاعة الله ودعا الناس إليها . قال : فأي المؤمنين أخسر ؟ قال : رجل خطا في هوى أخيه وهو ظالم ، فباع آخرته بدنيا غيره . قال سليمان : ما تقول فيما نحن فيه ؟ قال أو تعفيني ؟ قال لا بد فإنها نصيحة تلقيها إلىّ . قال يا أمير المؤمنين ، إن آباءك قهروا الناس بالسيف ، وأخذوا هذا الملك عنوة ، من غير مشورة من المسلمين ولا رضا منهم ، حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وقد ارتحلوا ، فلو شعرت بما قالوا وما قيل لهم ! فقال له رجل من جلسائه : بئسما قلت . قال أبو حازم : إن الله قد أخذ الميثاق على العلماء ليبينه للناس ولا يكتمونه . قال : وكيف لنا أن نصلح هذا الفساد ؟ قال أن تأخذه من حله فتضعه في حقه . فقال سليمان : ومن يقدر على ذلك ؟ فقال : من يطلب الجنة ويخاف من النار فقال سليمان : ادع لي ، فقال أبو حازم : اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخيرى الدنيا والآخرة وإن كان عدوّك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى . فقال سليمان : أوصني . فقال : أوصيك وأوجز ، عظم ربك ، ونزهه أن يراك حيث نهاك ، أو يفقدك حيث أمرك . وقال عمر بن عبد العزيز لأبي حازم : عظني ، فقال : اضطجع ، ثم اجعل الموت عند رأسك ، ثم انظر
--> « 1 » الانفطار : 13 ، 14